عندما يعترف العالم بجمال أحلامنا
أقسم بالله، لم أتوقع أن أشعر بهذا الفخر وأنا أتصفح حسابي على الانستغرام صباح اليوم. الفيفا، نعم الفيفا نفسها، تنشر أهداف المنتخب المغربي ضد اسكوتلندا من مونديال 1998. ليس مجرد نشر عادي، بل احتفاء حقيقي بتلك الليلة التي أضاءت سماء سانت إتيان قبل سبعة وعشرين عاماً.
والحقيقة أنني توقفت طويلاً أمام هذا المنشور، ليس فقط لأنه يعيد إلى ذاكرتي واحدة من أجمل الليالي في تاريخ الكرة المغربية، بل لأنه يحمل رسالة أعمق من مجرد نوستالجيا كروية. إنه اعتراف عالمي بأن ما فعله أسود الأطلس في تلك الليلة كان شيئاً استثنائياً، شيئاً يستحق أن يُذكر ويُحتفى به حتى اليوم.
صلاح الدين بصير.. الرجل الذي أبكى اسكوتلندا
كنت في الحادي عشر من عمري عندما شاهدت تلك المباراة، وأتذكر جيداً كيف انتفضت من مقعدي عندما سجل صلاح الدين بصير هدفه الأول في الدقيقة 22. لم يكن مجرد هدف، كان لوحة فنية رسمها بقدمه اليسرى السحرية. الطريقة التي تلقى بها الكرة من طاهر الخالج، والطريقة التي راوغ بها المدافع الاسكوتلندي، ثم تلك التسديدة التي استقرت في الشباك كأنها تعرف طريقها منذ البداية.
وعندما أضاف الهدف الثاني في الدقيقة 85، كنت أصرخ في البيت وكأن المغرب فاز بكأس العالم. لم أكن أعرف وقتها أن هذين الهدفين سيصبحان جزءاً من تاريخ كرة القدم العالمية، وأن الفيفا ستعود إليهما بعد كل هذه السنوات لتقول للعالم: انظروا، هكذا تُلعب كرة القدم الجميلة.
عبد الجليل حدا والهدف الذي أسكت الشك
أما هدف عبد الجليل حدا في بداية الشوط الثاني، فكان بمثابة الضربة القاضية. الرجل دخل الشوط الثاني وكأنه يحمل رسالة واضحة: المغرب لن يكتفي بهدف واحد، المغرب جاء ليفوز بقوة وبجدارة. وهذا بالضبط ما حدث.
تلك الليلة، لم نكن نلعب ضد اسكوتلندا فقط، كنا نلعب ضد كل الشكوك التي كانت تحيط بالكرة العربية والأفريقية. كنا نثبت أن المغرب قادر على تقديم كرة قدم جميلة ومؤثرة، كرة قدم تستحق الاحترام والتقدير.
الألم الجميل
لكن، وهنا المفارقة المؤلمة، رغم هذا الفوز الكاسح 3-0، خرج المنتخب المغربي من دور المجموعات. نعم، لعبنا أجمل كرة قدم في تلك البطولة، وسجلنا أجمل الأهداف، لكن الحسابات الرياضية كانت ضدنا. البرازيل فازت على النرويج، وانتهت أحلامنا رغم الأداء الرائع.
هذا هو المغرب الذي نعرفه ونحبه: يقدم الجمال حتى في الهزيمة، يصنع التاريخ حتى لو لم يحصد الألقاب. وربما هذا ما يجعل نشر الفيفا لهذه الأهداف اليوم أكثر إيلاماً وجمالاً في نفس الوقت.
رسالة للجيل الجديد
عندما أرى الفيفا تحتفي بأهداف المغرب من 1998، أتساءل: ماذا لو شاهد لاعبو المنتخب الحالي هذه الأهداف؟ ماذا لو تذكروا أن المغرب قادر على صنع المعجزات عندما يلعب بقلبه قبل قدميه؟
صلاح الدين بصير وعبد الجليل حدا وطاهر الخالج، هؤلاء الرجال لم يكونوا مجرد لاعبين، كانوا سفراء لحلم مغربي كبير. حلم بأن نكون في المقدمة، حلم بأن نُذكر ونُحترم، حلم بأن نصنع لحظات تبقى في الذاكرة إلى الأبد.
الأمل الذي لا يموت
واليوم، بعد مونديال قطر وما حققه المنتخب المغربي من إنجاز تاريخي، أشعر أن دائرة التاريخ تكتمل. من أهداف بصير في 1998 إلى نصف نهائي 2022، المغرب يواصل كتابة قصة حب مع كرة القدم العالمية.
نشر الفيفا لهذه الأهداف اليوم ليس مجرد ذكرى، إنه تذكير بأن المغرب كان دائماً قادراً على المفاجأة، قادراً على الإبداع، قادراً على جعل العالم يقف احتراماً لكرة القدم المغربية.
خلاصة القول
في النهاية، أقول للفيفا: شكراً لكم على هذا التذكير الجميل. وأقول لكل مغربي يقرأ هذه السطور: تذكروا دائماً أننا شعب قادر على صنع المعجزات، في الكرة وفي الحياة.
أهداف 1998 لم تكن مجرد أهداف، كانت رسالة أمل. ومونديال قطر لم يكن مجرد إنجاز، كان تأكيداً على أن الأحلام المغربية لا تموت، تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتتحقق.
والأجمل في كل هذا أن القصة لم تنته بعد. كأس أمم أفريقيا 2025 على الأبواب، والمغرب مستعد لكتابة فصل جديد من فصول المجد.
*كتبت هذه السطور وأنا أعيد مشاهدة أهداف صلاح الدين بصير للمرة المئة، وأتذكر كيف علمتني تلك الليلة أن الجمال أهم من النتيجة أحياناً*