عندما يصبح الظهير أهم من المهاجم
صراحة، لم أكن أتوقع أن أكتب يوماً مقالاً أدافع فيه عن حق ظهير أيمن في الفوز بالكرة الذهبية. لكن هذا بالضبط ما يحدث اليوم مع أشرف حكيمي، ابننا الغالي الذي حول مركز الظهير الأيمن من مجرد مركز دفاعي إلى محرك هجومي حقيقي.
والحقيقة أنني عندما أنظر إلى أرقام اللاعبين الثلاثة في باريس سان جيرمان هذا الموسم - حكيمي وديمبيلي وفيتينيا - أجد نفسي أمام معضلة جميلة: كيف نختار بين ثلاثة لاعبين استثنائيين؟ لكن القلب، والعقل أيضاً، يقولان إن أشرف حكيمي يستحق هذا التتويج أكثر من أي لاعب آخر.
الأرقام لا تكذب أبداً
دعونا نبدأ بالأرقام، لأنها لا تكذب ولا تجامل أحداً. أشرف حكيمي، في موسم واحد، سجل 23 هدفاً وقدم 14 تمريرة حاسمة في 51 مباراة. هذا يعني أنه ساهم في 37 هدفاً من مركز الظهير الأيمن! هل تدركون ما يعنيه هذا الرقم؟
للمقارنة، عثمان ديمبيلي، الذي فاز بجائزة أفضل لاعب في دوري أبطال أوروبا، سجل 28 هدفاً وقدم 18 تمريرة حاسمة في 48 مباراة. نعم، أرقام ديمبيلي أفضل، لكنه مهاجم! من الطبيعي أن يسجل أكثر. أما حكيمي فيلعب في مركز دفاعي أساساً، ومع ذلك يسجل أهدافاً أكثر من معظم المهاجمين في أوروبا.
وفيتينيا، رغم أهميته الكبيرة كصانع ألعاب، سجل 8 أهداف فقط وقدم 15 تمريرة حاسمة. أرقام محترمة، لكنها لا تقارن بما قدمه حكيمي من مركزه.
الإنجازات التي تتحدث عن نفسها
لكن الأرقام ليست كل شيء. الإنجازات أيضاً تتحدث بوضوح. أشرف حكيمي كان جزءاً أساسياً من الفريق الذي حقق دوري أبطال أوروبا لأول مرة في تاريخ باريس سان جيرمان. ليس هذا فحسب، بل سجل هدف الافتتاح في النهائي ضد إنتر ميلان في الدقيقة 12.
هل تتذكرون آخر مرة سجل فيها ظهير في نهائي دوري الأبطال؟ كانت في 2018. هذا يعني أن حكيمي حقق شيئاً لم يحققه أي مدافع منذ سبع سنوات.
وإذا أضفنا إلى ذلك الثلاثية المحلية التي حققها مع باريس (الدوري والكأس وكأس السوبر)، وأداءه المتميز في كأس العالم للأندية حيث سجل هدفين حتى الآن، نجد أنفسنا أمام موسم استثنائي بكل المقاييس.
المقارنة العادلة
الآن، دعونا نكون منصفين مع ديمبيلي وفيتينيا. عثمان ديمبيلي قدم موسماً رائعاً، وفوزه بجائزة أفضل لاعب في دوري أبطال أوروبا مستحق تماماً. 12 هدفاً في البطولة الأوروبية رقم ممتاز، وأداؤه في المباريات الحاسمة كان حاسماً لفوز باريس باللقب.
لكن، وهنا النقطة المهمة، ديمبيلي غاب عن مباريات مهمة بسبب الإصابة. في كأس العالم للأندية، غاب عن ثلاث مباريات في دور المجموعات، وعاد فقط في مباراة إنتر ميامي. هذا الغياب، رغم أنه خارج عن إرادته، يؤثر على حظوظه في الكرة الذهبية.
أما فيتينيا، فهو لاعب استثنائي بلا شك. معدل تمريره 95% من أعلى المعدلات في أوروبا، وهو قلب وسط ملعب باريس النابض. لكن دوره، رغم أهميته، أقل وضوحاً للجمهور العادي من دور حكيمي الهجومي المباشر.
الثورة التكتيكية
ما يميز أشرف حكيمي ليس فقط الأرقام والإنجازات، بل الثورة التكتيكية التي أحدثها في مركزه. حكيمي لا يلعب كظهير تقليدي، بل كجناح هجومي يتراجع للدفاع عند الحاجة. هذا التطور في اللعب جعله أخطر لاعب في العالم من مركزه.
عندما تشاهد حكيمي يلعب، تشعر أنك أمام لاعب يعيد تعريف مركز الظهير الأيمن. سرعته الخارقة، قدرته على التهديف من خارج المنطقة، دقته في التمرير، وقوته في المراوغة، كلها عوامل جعلته لاعباً فريداً من نوعه.
الفخر المغربي
وهنا، اسمحوا لي أن أتحدث بقلب مغربي فخور. أشرف حكيمي ليس مجرد لاعب كرة قدم، إنه رمز للطموح المغربي. من أحياء مدريد الشعبية إلى قمة كرة القدم الأوروبية، قصة حكيمي تلخص حلم كل شاب مغربي.
عندما نراه يتألق مع باريس سان جيرمان، ونراه يقود المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم، نشعر بفخر لا يوصف. هذا الشاب الذي لم يتجاوز 26 عاماً أصبح أحد أفضل اللاعبين في العالم، وهو يحمل العلم المغربي بكل فخر واعتزاز.
لماذا يستحق الكرة الذهبية؟
السؤال الآن: لماذا يستحق أشرف حكيمي الكرة الذهبية أكثر من زملائه في باريس؟
أولاً، لأنه حقق شيئاً لم يحققه أي مدافع من قبل: 23 هدفاً في موسم واحد من مركز الظهير. هذا رقم تاريخي بكل المقاييس.
ثانياً، لأنه كان العامل الحاسم في فوز باريس بدوري أبطال أوروبا. هدفه في النهائي لم يكن مجرد هدف، بل كان بداية حقبة جديدة للنادي الفرنسي.
ثالثاً، لأنه أعاد تعريف مركز الظهير الأيمن في كرة القدم الحديثة. ما يفعله حكيمي اليوم سيدرسه المدربون للأجيال القادمة.
رابعاً، لأن ثباته طوال الموسم كان استثنائياً. بينما غاب ديمبيلي بسبب الإصابة، واجه فيتينيا فترات تراجع طبيعية، حافظ حكيمي على مستواه العالي في جميع البطولات.
التحدي الحقيقي
لكن، ولنكن صادقين مع أنفسنا، التحدي الحقيقي أمام حكيمي ليس زملاءه في باريس، بل لاعبون آخرون من أندية أخرى. مبابي مع ريال مدريد، هالاند مع مانشستر سيتي، وغيرهم من النجوم الكبار.
هنا تكمن المشكلة: الكرة الذهبية تاريخياً تذهب للمهاجمين ولاعبي الوسط المبدعين. نادراً ما يفوز بها مدافع، وآخر مرة حدث ذلك كانت مع كانافارو في 2006 بعد فوز إيطاليا بكأس العالم.
لكن إذا كان هناك موسم يستحق فيه مدافع الكرة الذهبية، فهو هذا الموسم، وإذا كان هناك مدافع يستحقها، فهو أشرف حكيمي.
خلاصة القول
في النهاية، سواء فاز أشرف حكيمي بالكرة الذهبية أم لا، فإنه بالفعل فاز بشيء أهم: احترام عشاق كرة القدم في العالم كله. لقد أثبت أن المغربي قادر على الوصول إلى القمة، وأن الحلم المغربي ليس مجرد حلم، بل حقيقة يمكن تحقيقها.
أما بالنسبة للمقارنة مع ديمبيلي وفيتينيا، فأقول بكل صراحة: الثلاثة لاعبون استثنائيون، لكن حكيمي هو الأكثر استثنائية. ليس فقط بسبب الأرقام، بل بسبب الثورة التي أحدثها في مركزه، والفخر الذي جلبه لبلده، والأمل الذي زرعه في قلوب ملايين الشباب المغربي.
هذا هو أشرف حكيمي: ليس مجرد لاعب كرة قدم، بل رمز لجيل جديد من النجوم المغاربة الذين يكتبون التاريخ بأقدامهم الذهبية.
كتبت هذه السطور وأنا أشاهد حكيمي يسجل هدفه الثاني في كأس العالم للأندية، وأتذكر ذلك الطفل الصغير الذي حلم يوماً بأن يصبح أفضل لاعب في العالم