هل أصبح قميص المنتخب الوطني مجرد محطة عبور لمن ضاقت بهم السبل في منتخبات النشأة؟ أم أنه لا يزال ذلك الرمز المقدس الذي لا يرتديه إلا من تشبع بحب الوطن واستعد لبذل الغالي والنفيس من أجله؟ سؤال يفرض نفسه بقوة كلما طفا على السطح نقاش حول استقطاب المواهب الكروية من أبناء الجالية المغربية بالخارج.
إن المتأمل في المشهد الكروي المغربي اليوم، يدرك أننا لم نعد في موقع من يتسول الانتماء. نحن نتحدث عن المغرب، رابع العالم، والمنتخب الذي يُحسب له ألف حساب في المحافل الدولية. لقد ولى زمن اللهاث خلف أسماء تتردد، وتساوم، وتنتظر تعثر مسارها مع منتخبات أخرى لتتذكر فجأة جذورها المغربية. الباب مفتوح على مصراعيه، نعم، ولكن لمن يأتي مرحباً به بقلب خالص، وإلا فالباب نفسه مفتوح لرحيل من يرى في القميص الوطني مجرد خيار بديل.
لقد أثبتت التجارب المتتالية أن الموهبة وحدها لا تكفي إن لم تكن مسيجة بروح قتالية وانتماء صادق. ولنا في بعض الأسماء التي تم تضخيمها إعلامياً خير دليل -والحديث هنا عن "بيتارش"؛ فبمجرد وضعها تحت الضغط الحقيقي، يظهر ضعفها الواضح، وتتكرر أخطاؤها الساذجة التي لا تنقذها سوى براعة حراس المرمى أو أخطاء الخصوم. إنها مواهب لم تنضج بعد، والأهم من ذلك، لم تنضج وطنيتها لتتحمل ثقل تمثيل أمة بأكملها.
في المقابل، يزخر الميدان المغربي، سواء في الداخل أو في صفوف الجالية، بما لا يتوفر في غيره من مواهب تبشر بمستقبل مطمئن. خذوا على سبيل المثال النجم الواعد عبد الله وزان، الذي اختار المغرب عن قناعة راسخة رغم الإغراءات. هذا الشاب يمثل نموذجاً حياً للجيل الجديد الذي يرى في تمثيل بلده الأم شرفاً لا يضاهيه شرف.
ولسنا بحاجة للبحث بعيداً عن أمثلة حية للاستبسال والوفاء. إن الأسماء التي اختارت المغرب بالقلب الخالص هي التي تصنع الفارق اليوم. أشرف حكيمي، الذي فضل نداء الدم على إغراءات "لاروخا"، وحكيم زياش، "الساحر" الذي واجه ضغوطاً هائلة في هولندا ليختار قميص الأسود، وبلال الخنوس، وريان بونيدة، وغيرهم من النجوم الذين أثبتوا أن الانتماء ليس مجرد جواز سفر، بل هو قتال مستميت على أرضية الملعب.
وإذا نظرنا إلى خط الوسط الحالي للمنتخب، نجد ترسانة من اللاعبين الكبار الذين يجمعون بين الموهبة الفذة والروح القتالية العالية. أسماء من طينة عز الدين أوناحي، نائل العيناوي، محمد ربيع حريمات، بلال الخنوس، وسمير المرابط، تشكل جداراً صلباً ومحركاً لا يهدأ. هؤلاء لا يلعبون فقط بأقدامهم، بل بقلوبهم، وهو ما يصنع الفارق في المباريات الحاسمة.
إن الرسالة اليوم واضحة ولا لبس فيها: مرحباً بكل موهبة مغربية أينما كانت، بشرط واحد لا تنازل عنه؛ الاستماتة والافتخار بالانتماء للوطن. أما من يتردد، أو يساوم، أو ينتظر، فليعلم أن قطار المنتخب المغربي قد انطلق بسرعة الكبار، ولن يتوقف لينتظر من لم يحسم أمره بعد. فالقميص الوطني غالٍ، ولا يستحقه إلا من يعشق تراب هذا الوطن.