"مهاجم وهمي" في مدريد واختبار حقيقي في لانس.. ماذا يخبرنا تعادل الأسود عن كتيبة وهبي؟
كرة القدم، بالنسبة لنا نحن المغاربة، ليست مجرد تسعين دقيقة من الركض خلف كرة من الجلد. إنها نبض الشارع، ومصدر الفرح الصافي، واللغة الوحيدة التي توحدنا جميعاً من طنجة إلى الكويرة. ومساء الجمعة الماضي، في قلب العاصمة الإسبانية مدريد، لم يكن وقوفنا خلف شاشات التلفاز لمتابعة مباراة ودية أمام الإكوادور مجرد تمضية للوقت، بل كان شغفاً متجدداً لرؤية "أسود الأطلس" في ثوبهم الجديد، تحت قيادة ربان هادئ اسمه محمد وهبي، يجهز الكتيبة لحلم مونديالي جديد في أمريكا الشمالية.
حينما قرر الناخب الوطني الدخول بخطة "المهاجم الوهمي" (False 9)، لم يكن يمارس ترفاً تكتيكياً أمام الكاميرات، بل كان يقرأ من كتاب الواقعية الكروية. ففي غياب رأس حربة صريح وجاهز بدنياً بنسبة مائة بالمائة، يصبح الاعتماد على القادمين من الخلف، وعلى حركية الأجنحة، ضرورة تكتيكية لاختراق دفاعات لاتينية متمرسة. لقد أظهرت النخبة الوطنية، رغم الارتباك الدفاعي الذي كلفنا هدف جون يبواه المباغت في بداية الشوط الثاني، شخصية بطل حقيقي يرفض الانكسار. ركلة جزاء ضائعة من الشاب نائل العيناوي، وهدف ملغى للمقاتل ربيع حريمات، كانا كفيلين بإحباط أي فريق آخر. لكن الأسود عادوا من بعيد، وبقدم العيناوي نفسه الذي كفّر عن خطئه بهدف تعادل قاتل في الأنفاس الأخيرة. أليست هذه هي "الغرينتا" المغربية التي نعشقها؟ روح الفريق التي تقاتل حتى الصافرة النهائية!
ولعل أبرز ما خطف الأنظار في هذه المواجهة، ليس التكتيك فحسب، بل ذلك الوافد الجديد الذي ارتدى القميص الوطني بكل فخر: عيسى ديوب. فرنسي المولد، سنغالي الأب، ومغربي الأم. قصة ديوب ليست مجرد تغيير روتيني للجنسية الرياضية، بل هي "تسجيل هدف" استراتيجي في مرمى كبار القارة الأوروبية، وانتصار مبين للإدارة التقنية وللجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. حينما يرفض مدافع صلب من طينة ديوب إغراءات بطل إفريقيا السابق، وييأس من وعود ديدييه ديشان في فرنسا، ليختار نداء القلب والمشروع الرياضي الطموح في المغرب، فنحن هنا أمام عمل احترافي صامت وفعال. لقد نجحت الجامعة في استقطاب سبعة لاعبين دفعة واحدة هذا الشهر، ليصل المجموع إلى 16 لاعباً منذ مارس الماضي. أرقام تتحدث عن نفسها، وتؤكد أن قميص المنتخب المغربي بات حلماً يراود كبار المواهب في الدوريات الأوروبية.
"لسنا هنا لنقوم بثورة".. هكذا لخص محمد وهبي فلسفته التدريبية بعد المباراة. جملة عميقة تحمل في طياتها الكثير من الحكمة الكروية. فالرجل، الذي قاد شبابنا للمجد المونديالي، يدرك أن البناء على أسس صلبة، وتصحيح التزامن بين الخطوط، أفضل بكثير من سياسة الهدم وإعادة البناء من الصفر. وهبي يبحث عن التوازن، عن استغلال المساحات، وعن إخراج الكرة من الخلف بسلاسة وأناقة، وهي التفاصيل الدقيقة التي تصنع الفارق في البطولات الكبرى.
يوم الثلاثاء، في ملعب "بولار-ديليليس" بمدينة لانس الفرنسية، سيكون الأسود على موعد مع اختبار لاتيني جديد أمام منتخب الباراغواي. خصم عنيد، قادم من فوز معنوي على اليونان، ويعتمد على الصلابة الدفاعية والاندفاع البدني الشرس الذي يميز كرة أمريكا الجنوبية. لن تكون هذه المواجهة مجرد مباراة ودية عابرة، بل هي محطة مفصلية لتجريب الحلول، ولتصحيح الأخطاء قبل دخول غمار الاستحقاقات الكبرى. فكأس العالم 2026 تقترب بخطى حثيثة، والمجموعة التي أوقعتنا مع البرازيل واسكتلندا وهايتي تتطلب فريقاً جاهزاً لكل السيناريوهات.
في النهاية، لا يسعنا إلا أن نقف وقفة احترام ودعم لا مشروط لهذا الجيل الذهبي من اللاعبين وللطاقم التقني الذي يقودهم. نفرح لنجاحاتهم، وندعمهم في هفواتهم، لأننا ندرك أن طريق المونديال محفوف بالتحديات. المنتخب الوطني اليوم ليس مجرد فريق كرة قدم، بل هو مصدر فخرنا وسعادتنا. وكلنا ثقة أن الأسود، بفضل تلاحمهم وروحهم القتالية، قادرون على تحويل كل "اختبار وهمي" إلى انتصار حقيقي يسعد ملايين المغاربة.
كل التوفيق لأسود الأطلس.. وديما مغرب!