خمس دقائق غيّرت المزاج، وماي القادم سيغيّر المصائر
ثمة حقيقة يعرفها كل من عاش ملاعب الكرة عن كثب: النتيجة تُريح الجمهور، لكنها لا تُسكِت الأسئلة. فوز المغرب على باراغواي بهدفين لواحد في ملعب بوليرت ديليليس بمدينة لانس الفرنسية، مساء الثلاثاء، كان ضروريًا معنويًا وإجباريًا تكتيكيًا، لكنه لم يكن كافيًا ليُغلق الملفات المفتوحة. القضية الكبرى لم تُحسَم بعد، وهي قضية كل لاعب يُراقب الأداء بعين واحدة ويُراقب بها الآخر لائحة الستة والعشرين الذين سيُمثّلون المغرب في أمريكا يونيو المقبل.
في كرة القدم، الوديات مجرد خطوات في درب طويل. لكن حين يكون الأفق مونديالاً، تتحوّل كل خطوة إلى اختبار، وكل دقيقة لعب إلى ورقة مفاوضة بين اللاعب ومدرّبه. محمد وهبي يعرف هذا جيدًا، وهو الذي بنى سمعته على قراءة المواهب لا على الأسماء.
الشوط الأول: حين تتضافر النية الجيدة مع جدار صلب
واجه المنتخب المغربي في الشوط الأول منافسًا منضبطًا تكتيكيًا، اعتمد على تكتّل دفاعي محكم صعّب مهمة اختراقه. وهذا بالضبط ما يجب أن يُقلق المراقب الحصيف: باراغواي ليست البرازيل، ولم تكن إسبانيا، وظلّ المستطيل الأخضر رهينًا لإيقاع بطيء طوال خمسة وأربعين دقيقة. حكيمي يتقدّم، يُرسل، يعود. خنوس يلاحق الفراغات. العيناوي ينتظر. لكن الباب كان موصدًا.
السؤال الذي يطرحه الشوط الأول بصراحة قد تُزعج: ماذا سيحدث حين يكون الخصم أوروبيًا أو أمريكيًا لاتينيًا بقامة أكبر؟ هل سيتجمّد الإيقاع مرة أخرى؟ أم أن في جعبة وهبي ما يُفاجئ به الجميع؟
الشوط الثاني: درسٌ في النجاعة الهجومية
بعد شوط أول سلبي، افتتح بلال الخنوس التسجيل في الدقيقة الثامنة والأربعين، بعد تمريرة مميزة من القائد أشرف حكيمي. وأضاف نائل العيناوي الهدف الثاني في الدقيقة الثالثة والخمسين، مستفيدًا من عرضية حاسمة ثانية من حكيمي. هدفان في خمس دقائق، بنفس الطريقة، بنفس المُصنِّع. ليست صدفة.
لم يكن هذا وليد اللحظة، بل نتيجة عمل كبير قام به وهبي في الحصص التدريبية التي سبقت المباراة، إذ درّب اللاعبين على تجريب التمرير عبر الظهير الأيمن أشرف حكيمي نحو مربع العمليات. هذا هو الفرق بين المدرب العشوائي والمدرب المنهجي: الأول يتمنى، والثاني يُدرّب على الحل قبل المشكلة.
أشرف حكيمي، في هذا المعسكر، لم يكن مجرد قائد يلبس الشارة؛ كان محوراً تكتيكيًا حقيقيًا، وصانع لعب يصنع الفارق بعرضياته لا بتسديداته. قدّم حكيمي تمريرتين حاسمتين في الفوز، وهذا يعني أن وهبي يعرف تمامًا كيف يُوظّف أفضل لاعبيه في خدمة المنظومة لا العكس.
وهبي: رجل لا يرضى بالأقل
ما يُميّز محمد وهبي في إدارة هذه المرحلة هو أنه يُعلن الرضا عن النتيجة دون أن يُخفي قلقه من الأداء. أكد وهبي بعد المباراة أن الفوز يبقى مُطمئنًا ويُولّد قدرًا من الارتياح، بيد أنه غير راضٍ عن بعض الأمور الخاصة بالأداء. هذا هو لسان المدرب الجاد: لا يغرق في الاحتفال، ولا يُبالغ في النقد.
ركّز وهبي على التوفيق بين الطموح والتواضع، مشيرًا إلى أن "سقف طموحاتنا عالٍ جدًا، لكننا نتحلّى بالكثير من التواضع أيضًا، فنحن الآن فريق ينتظره الجميع". هذه الجملة وحدها تكشف فهمًا عميقًا للضغط النفسي الذي يعيش تحته هذا الجيل. المغرب الذي وصل إلى نصف نهائي 2022 أصبح "منتخبًا ينتظره الجميع"، وهذا التوقع سلاح ذو حدين: يُحفّز ويُثقّل في آن واحد.
أقرّ وهبي بوجود انخفاض في الإيقاع خلال الدقائق الأخيرة، مفسّرًا ذلك بالتغييرات التي أُدخلت لمنح الفرصة لعدد من اللاعبين، معتبرًا أن هذا الأمر يظل طبيعيًا في إطار مباراة ودية. غير أن ذاكرة الملاعب الكبرى تُسجّل: باراغواي سجّلت هدفها في الدقيقة الثامنة والثمانين، حين خفّ الحراس. ولن يكون للبرازيل أو إسكتلندا رحمة في مثل هذه المواقف.
الأهم: ليلة ماي الثامن عشر
يُستعدّ لخوض كأس العالم 2026 ضمن المجموعة الثالثة، إلى جانب منتخب البرازيل ومنتخب إسكتلندا ومنتخب هايتي. هذه المجموعة وحدها كافية لتقول بأن مهمة المغرب ليست نزهة. البرازيل بموهبتها الفردية الخارقة، وإسكتلندا التي يُهان من يستهين بها، وهايتي التي لن تأتي للخسارة بكرامة.
وفي خضم هذا كله، ثمة حسابات تجري خلف الكواليس أهم بكثير مما يجري على أرضية الملعب: اختيار الستة والعشرين. لائحة المونديال النهائية التي يجب أن تُرسَل إلى الفيفا كحد أقصى يوم الثامن عشر من مايو المقبل. ستة وعشرون اسمًا يُحملون آمال أربعين مليون مغربي. كل لاعب في هذا المعسكر كان يلعب بعيني اثنتين: عين على الكرة وعين أخرى على دفتر وهبي.
ضمّت قائمة المغرب الأولى تحت قيادة وهبي وجوهًا شابة، خاصة من العناصر التي توّجت بلقب مونديال الشباب في تشيلي، في توجه واضح نحو ضخ دماء جديدة داخل صفوف أسود الأطلس. هذا الجيل الشاب قرع الباب بقوة: الخنوس يسجل، العيناوي يُضيف. لكن الأبواب المغلقة بأسماء أخرى لا تُفتح بهدف وديٍّ واحد.
الأرقام لا تكذب في هذا الملف: وهبي أكد أن الهدف الأساسي هو التحضير الجيد للمونديال مع تحقيق نتائج إيجابية، وأن الطاقم التقني أجرى عدة تغييرات مع الحفاظ على بعض العناصر الأساسية لتسهيل انسجام اللاعبين الشباب. والانسجام في كرة القدم لا يولد في غرف الفنادق، بل يتشكّل على أرض الملعب بالعرق والاحتكاك والثقة المكتسبة.
خلاصة: لا مكان للعواطف في لائحة التاريخ
محمد وهبي أمامه أسابيع قليلة لصناعة القرار الأصعب في مسيرته التدريبية. الفوز على باراغواي خطوة مُشجِّعة، والتعادل مع الإكوادور درسٌ يُبنى عليه. لكن الامتحان الحقيقي ليس في لانس ولا في مدريد، بل في تلك الليلة التي سيُمسك فيها القلم ليُدوّن ستة وعشرين اسمًا لن يُرضي أحدًا ويُبكي كثيرين.
المغرب يمتلك موهبة تكفي لقطعتين من اللوائح. المشكلة أن اللائحة واحدة. وحين تكون الفرص أضيق من الأحلام، يصبح المدرب قاضيًا لا مُدرّبًا.
الساعة تدق نحو المونديال. وكل لاعب يعلم أن ثمة حساسية اسمها الثامن عشر من مايو لن يرحم التردد ولن يُكافئ الوسطية.