نائل العيناوي إلى لايبزيغ: القرار الذي قد يُعيد كتابة مسيرته
من مقعد الاحتياط المحتمل في روما إلى مشروع كروي يعرف كيف يصنع النجوم.. لماذا يبدو الرحيل إلى ألمانيا أشبه بمقامرة محسوبة؟
حسم نادي آر بي لايبزيغ الألماني ملف التعاقد مع الدولي المغربي نائل العيناوي، قادماً من صفوف روما الإيطالي على سبيل الإعارة، في صفقة تتضمن بنداً يمنح النادي الألماني خيار الشراء النهائي لاحقاً، وفق ما كشفه الصحفي الإيطالي فابريزيو رومانو المتخصص في سوق الانتقالات. الصفقة تأتي بعد موسم متعرج للاعب المغربي في العاصمة الإيطالية، وبعد أداء لافت رفقة "أسود الأطلس" في مونديال 2026 رفع من قيمته السوقية وأشعل اهتمام ريال مدريد وبرشلونة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل الرحيل إلى ألمانيا قفزة إلى الأمام، أم مجرد محطة انتظار في مسيرة لاعب لا يزال يبحث عن عنوانه الحقيقي؟
من لانس إلى روما.. حكاية صعود لم يكتمل
لم يمرّ عام واحد على وصول العيناوي إلى روما قادماً من لانس الفرنسي، في صفقة قاربت 25 مليون يورو ضمن عقد يمتد خمس سنوات حتى 2030. كانت الصفقة تحمل كل ملامح الاستثمار الجاد: لاعب شاب، خط وسط يجمع بين القوة البدنية والذكاء التكتيكي، ونادٍ إيطالي عريق يراهن عليه لسنوات. لكن كرة القدم لا ترحم التوقعات. تراجع مستوى اللاعب بشكل ملحوظ عقب عودته من كأس أمم إفريقيا، قبل أن يستعيد بعض بريقه في الجولات الأخيرة. ومع ذلك، لم يكن التعثر الفني وحده هو ما فتح باب الرحيل، بل المنافسة المتصاعدة على مركزه بعد صفقات الميركاتو الصيفي التي أبرمها روما، وهي منافسة ضيّقت عليه هامش المشاركة الأساسية في فريق يطمح للمنافسة على البطولات الكبرى.
لماذا لايبزيغ بالذات؟
لايبزيغ ليس وجهة عابرة في سوق الانتقالات. النادي الألماني بنى سمعته على مبدأ واحد لا يحيد عنه: اصطياد المواهب في لحظة الشك، ثم صقلها حتى تصبح سلعة تُباع بأضعاف ثمنها. الدوري الألماني نفسه، بإيقاعه السريع وطابعه البدني، يبدو مصمماً على مقاس لاعب مثل العيناوي، القادر على افتكاك الكرات وتغطية مساحات واسعة وسط الملعب. وهناك عامل توقيت لا يقل أهمية: الرحيل المرتقب لوسط الفريق النمساوي تشافير شلاغر يفتح مكاناً أساسياً بانتظار من يملأه. أليست هذه بالضبط الفرصة التي يبحث عنها لاعب يحتاج الدقائق أكثر من حاجته للأضواء؟
مونديال غيّر كل الحسابات
قبل أن يفكر أي نادٍ في العيناوي، كان لا بد أن يراه العالم أولاً. وقد رآه في مونديال 2026. قاد المغربي خط وسط "أسود الأطلس" حتى ربع النهائي، حيث سقط الحلم أمام فرنسا، لكن الأرقام بقيت شاهدة على مستواه. بحسب إحصائيات "أوبتا"، كان العيناوي العقل المدبر لخط وسط المنتخب، والأكثر تمريراً بين اللاعبين المغاربة في البطولة:
| المؤشر الإحصائي | الرقم |
|---|---|
| التمريرات المحاولة | 442 |
| التمريرات الناجحة | 408 |
| نسبة دقة التمرير | 92.3% |
| الكرات المستعادة | 21 |
| الاعتراضات | 7 |
| التدخلات الناجحة | 18 |
هذا الحضور دفع مرصد "CIES" ومنصة "سكيل كورنر" لإدراج العيناوي، إلى جانب زميله في المنتخب أيوب بوعدي، ضمن أفضل لاعبي الوسط في العالم من حيث القدرة على الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، في قائمة تصدرها البرتغالي فيتينيا والإسباني رودري. حين يظهر اسمك في جدول كهذا، لا يعود سؤال "من يريدك؟" مطروحاً، بل يصبح السؤال "من سيقنعك؟".
بين المغامرة والمقامرة
كان بإمكان العيناوي أن ينتظر. أن يبقى في روما على أمل انتزاع مكانه، أو أن يراهن على عرض من ريال مدريد أو برشلونة حين يحين موعده. لكن كرة القدم الحديثة لا تكافئ الصبر بقدر ما تكافئ الدقائق المُحتسبة على أرض الملعب. صيغة الإعارة مع خيار الشراء تمنحه بالضبط ما يحتاجه الآن: موسماً كاملاً ليثبت نفسه بعيداً عن ضغط مقارنته بنجوم روما، مع بقاء الباب مفتوحاً أمام مشروع أكبر إن نجحت التجربة. هذا ليس تراجعاً في المسيرة، بل إعادة ترتيب أولويات: اللعب أولاً، والأضواء الكبرى حين تُفتح أبوابها من جديد.
في النهاية، لا أحد يمنح ضمانات في سوق الانتقالات. لكن حين يجتمع لاعب في أوج ثقته بمشروع نادٍ يعرف كيف يحوّل المواهب إلى أرقام قياسية، تصبح المخاطرة أقرب إلى قرار مدروس منها إلى مقامرة. ولايبزيغ، قبل أن يكون محطة، قد يكون فعلاً المنعطف الذي يبحث عنه نائل العيناوي منذ خروجه من فرنسا.