المغرب يكسر الحصار الكندي بثلاثية ويكتب التاريخ الإفريقي من جديد
أوناحي بطل ليلة هيوستن... والمغرب يستعد لمواجهة الثأر أمام فرنسا في ربع النهائي
هل يحتاج المنتخب المغربي فعلاً إلى "معجزة" ليصل بعيداً في كأس العالم، أم أن المعجزة نفسها أصبحت عادة سنوية يكتبها "أسود الأطلس" بأقدامهم؟ السؤال لم يعد بلاغياً بعد مساء السبت في هيوستن، حين حسم المنتخب المغربي مواجهته أمام كندا، صاحبة الأرض والضيافة، بثلاثية نظيفة (3-0)، ليضمن بذلك بطاقة العبور إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، ويصبح أول المتأهلين رسمياً إلى هذا الدور. لم تكن المباراة نزهة، فقد عانى المغرب في شوط أول مشحون بالبطاقات أكثر منه بالفرص، قبل أن ينقلب الميزان كلياً في الحصة الثانية بفضل ثنائية عز الدين أوناحي وهدف ثالث من سفيان رحيمي في الوقت القاتل.
شوط أول يعض على الأعصاب قبل انفجار الحصة الثانية
من يشاهد الدقائق الخمس والأربعين الأولى وحدها، سيظن أن كندا هي المرشحة للعبور لا المغرب. الفريق الكندي، المتحمس بدفء جمهوره وثقل التاريخ الذي يكتبه لأول مرة في مشاركاته الست بالمونديال، ضغط مبكراً وهدد مرمى ياسين بونو أكثر من مرة، قبل أن يتصدى الحارس المغربي لكرة كانت شبه محسومة أمام تاني أولواسيي في الدقيقة العاشرة. لكن الشوط الأول لم يكن معركة كرة بقدر ما كان معركة أعصاب: ست بطاقات صفراء توزعت بين الفريقين، وهو رقم لم يتكرر في شوط أول بتاريخ المونديال منذ 1966، بينهم رضوان حلحال وأشرف حكيمي وعز الدين أوناحي وبلال الخنوس مغربياً. وفي خضم هذا التوتر، غادر إسماعيل الصيباري الملعب مصاباً في الدقيقة 22، ليدخل بديلاً عنه سفيان رحيمي، في تبديل بدا اضطرارياً حينها، لكنه سيتحول بعد ساعة كاملة إلى القرار الذي زيّن نهاية المباراة.
وهبي يقرأ المباراة... وأوناحي يكتب الجواب
في الاستراحة، لم يكن محمد وهبي بحاجة إلى خطاب حماسي بقدر حاجته إلى قراءة باردة للمباراة. وهذا بالضبط ما فعله. عاد المغرب في الشوط الثاني بإيقاع مختلف كلياً، وكأن فريقاً آخر نزل إلى المستطيل الأخضر. في الدقيقة 50، صنع أشرف حكيمي بتمريرة أرضية ذكية فرصة ذهبية لعز الدين أوناحي، الذي لم يتردد وسدد كرة صاروخية من حدود منطقة الجزاء سكنت الشباك. وحين تظن أن المغرب اكتفى بهذا القدر، عاد أوناحي نفسه في الدقيقة 82 ليضاعف النتيجة، هذه المرة من صناعة إبراهيم دياز الذي اخترق الدفاع الكندي بانطلاقة مرتدة قبل أن يمرر الكرة بذكاء إلى صاحب الثنائية. الرسالة كانت واضحة: هذا ليس مجرد فوز، بل تتويج لتحول تكتيكي مدروس. ثم جاء الهدف الثالث في الدقيقة 90+8 توقيعاً أخيراً على الليلة، حين حوّل سفيان رحيمي عرضية جديدة من إبراهيم دياز إلى هدف يغلق الحساب ويفتح باب التاريخ.
| تفاصيل المباراة | المعطى |
|---|---|
| النتيجة النهائية | المغرب 3 - 0 كندا |
| الدور | دور الـ32 من كأس العالم 2026 |
| الملعب والتاريخ | إن آر جي ستاديوم، هيوستن — السبت 4 يوليوز 2026 |
| الأهداف المغربية | عز الدين أوناحي (50′، 82′) - سفيان رحيمي (90+8′) |
| التمريرات الحاسمة | أشرف حكيمي (هدف 1) - إبراهيم دياز (هدفا 2 و3) |
| منافس ربع النهائي | فرنسا (بعد فوزها على باراغواي 1-0 بهدف مبابي من ركلة جزاء في الدقيقة 70) |
| موعد ومكان ربع النهائي | الخميس 9 يوليوز 2026 — بوسطن |
أرقام لا تكذب: المغرب يدخل نادياً لم يدخله إفريقي من قبل
الأرقام هنا لا تُروى للزينة، بل لأنها تُترجم فعلياً حجم ما تحقق. المغرب أصبح، وفق إحصاءات "أوبتا"، أول منتخب إفريقي وعربي في التاريخ يبلغ ربع نهائي كأس العالم في نسختين متتاليتين (2022 و2026)، كاسراً بذلك احتكاراً كان حكراً على منتخبات أوروبا وأمريكا الجنوبية لعقود. كما أصبح أول منتخب من القارة السمراء يسجل ثلاثة أهداف في مباراة واحدة ضمن الأدوار الإقصائية للمونديال. وعلى المستوى الفردي، دخل عز الدين أوناحي سجل التاريخ بوصفه أول لاعب مغربي يسجل هدفين في مباراة مونديالية واحدة منذ صلاح الدين بصير أمام اسكتلندا في 1998. أما محمد وهبي، فأصبح ثاني مدرب إفريقي يقود منتخباً إلى ربع نهائي كأس العالم، بعد مواطنه وليد الركراكي الذي حقق الإنجاز ذاته قبل أربع سنوات. من يقرأ هذه الأرقام بعين باردة يدرك أن ما يحدث ليس صدفة عابرة، بل مساراً تصاعدياً بدأ في الدوحة ولم ينته بعد.
| الرقم القياسي | التفصيل |
|---|---|
| تاريخي | أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ ربع نهائي المونديال في نسختين متتاليتين (2022 و2026) |
| هجومي | أول منتخب إفريقي يسجل 3 أهداف في مباراة إقصائية واحدة بالمونديال |
| فردي | أوناحي أول مغربي يسجل هدفين في مباراة مونديالية منذ بصير عام 1998 |
| تدريبي | محمد وهبي ثاني مدرب إفريقي يبلغ ربع نهائي المونديال، بعد وليد الركراكي |
فرنسا... الخصم الذي يحمل جرح الدوحة
لم تنتظر البطولة طويلاً لتكشف اسم الخصم المقبل. في فيلادلفيا، عانى المنتخب الفرنسي أكثر مما توقع الجميع أمام تكتل باراغواي الدفاعي، قبل أن يحسم كيليان مبابي المباراة من ركلة جزاء في الدقيقة 70، بعد عرقلة تعرض لها البديل ديزيري دوي داخل منطقة الجزاء، ليفوز "الديوك" بهدف نظيف (1-0) ويحجزوا مقعدهم في ربع النهائي. وهنا يكمن السؤال الذي لن يفارق الأذهان المغربية طوال الأيام الخمسة المقبلة: هل يمكن لجيل 2026 أن يفعل ما عجز عنه جيل 2022؟ فرنسا نفسها هي من أنهت حلم "أسود الأطلس" في نصف نهائي قطر بهدفين دون رد، وها هي تقف اليوم حجر عثرة جديداً في الطريق، لكن هذه المرة في دور أقل حسماً وأكثر احتمالاً للمفاجأة. المباراة لن تكون مجرد تصفية حسابات، بل امتحاناً حقيقياً لمدى نضج منتخب لم يعد "يتفاجأ" بحضوره في هذه المحطات، بل يتعامل معها بوصفها حقاً مكتسباً.
ما بعد هيوستن: نحو معركة بوسطن
السؤال الآن لم يعد "هل يمكن للمغرب أن يفاجئ؟"، بل "إلى أي مدى يمكن لهذا الجيل أن يذهب؟". المنتخب الذي كان "مفاجأة" قطر 2022 أصبح اليوم "مرشحاً" تتحدث عنه التقارير الفنية العالمية بجدية. أمام المغرب الآن موعد يوم الخميس 9 يوليوز، في بوسطن، مع فرنسا حاملة اللقب السابقة وأحد أبرز المرشحين للتتويج، في اختبار سيحدد ما إذا كانت نصف نهائي الدوحة كانت سقفاً استثنائياً أم مجرد محطة في طريق أطول. ما يطمئن أنصار "الأسود" أن الفريق أثبت في هيوستن أنه قادر على المعاناة تسعين دقيقة ثم الحسم في ثمانٍ إضافية؛ وهذه بالضبط صفة المنتخبات التي لا تكتفي بكتابة فصل واحد من التاريخ، بل تصر على أن تكتب الكتاب كاملاً — حتى لو كان الخصم في الصفحة القادمة هو من أغلق عليها الكتاب آخر مرة.