حين يتكلم رئيس حكام الفيفا، لا يبقى للتشكيك مكان
في كرة القدم كما في القانون، ثمة لحظة تنتهي فيها النقاشات وتبدأ فيها الحقيقة تفرض نفسها. لحظة من هذا الصنف وقعت حين فتح بييرلويجي كولينا، رئيس لجنة الحكام في الفيفا، فمه بما لا يقبل التأويل. الرجل لم يُدلِ بتصريح عابر في ممر مضاء بكاميرات متهافتة — بل نطق بحكم مؤسسي يُحصِّن تتويج المنتخب المغربي بتأهيل قانوني منيع، ويُسدل الستار على مسرحية الاحتجاجات السنغالية التي انتهت قبل أن تبدأ.
فهل كان ما جرى في نهائي أمم أفريقيا 2025 تتويجاً لبطولة كروية فحسب؟ أم كان امتحاناً عسيراً للقانون في مواجهة السياسة؟
أولاً: كولينا لم يُعلِّق، بل حَكَم
ما قاله كولينا يستحق أن يُقرأ بعين المحلل لا بعين المشجع. الرجل أكد أنه كان حاضراً في قلب الحدث، برفقة رئيسَي الفيفا والكاف، وأنه عاين بنفسه ما جرى على أرض الملعب. وحين يشهد رئيس لجنة الحكام في المنظومة الكروية الدولية بشكل مباشر على واقعة بعينها، فإن شهادته لا تُردّ بمذكرة احتجاج، ولا تُلغى بضجيج وسائل التواصل الاجتماعي.
الأكثر دلالة في كلام كولينا هو إحالته الصريحة إلى البند 84 من لوائح الفيفا. هذا البند لا يترك مساحة لأي تفسير مرن أو قراءة في الضوء الشحيح — الانسحاب من مباراة رسمية يُعادل خسارة تلقائية بنتيجة 3-0. الخرق الذي ارتكبه المنتخب السنغالي لا يحتمل إعادة تقييم، ولا يفتح باباً للاستئناف الذي طالما حلم به البعض سلاحاً سحرياً لقلب نتيجة مكتملة.
والجملة الأكثر وضوحاً في تصريح كولينا كانت: "فرص تغيير القرار شبه منعدمة، القانون فوق الجميع." هذه ليست دعوة لمراجعة ما جرى — بل هي إعلان اكتمال المشهد وإغلاق الملف.
ثانياً: السنغال وفخ الانسحاب
لن يجد التاريخ الكروي في صفحاته كثيراً من المشاهد التي قرر فيها منتخب عريق أن ينسحب من نهائي قارة بأسره. الانسحاب في السياسة يمكن أن يكون موقفاً مشرفاً أو تكتيكاً محسوباً. أما في الرياضة وفي قوانين الفيفا التي صاغتها عقود من التجربة والمواجهات القانونية، فالانسحاب ليس احتجاجاً — بل هو خسارة ترتدي ثوباً مختلفاً.
السؤال الذي ينبغي طرحه ليس لماذا انسحبت السنغال، بل: هل كان القائمون على الملف السنغالي يعرفون مسبقاً أن البند 84 ينتظرهم؟ وإن كانوا يعرفون، فمن أوحى لهم بأن القانون سيُحنى في مواجهة ضغط الرأي العام أو دبلوماسية المعزّين؟
هذا بالضبط ما يجعل الحادثة تتجاوز حدود الميدان. فالمنتخب السنغالي يملك تاريخاً ناصعاً في كرة القدم الأفريقية، ونجوماً يحملون اسم القارة على أكتافهم في الملاعب الأوروبية الكبرى. لكن من اتخذ قرار الانسحاب لم يكن يحمي هذا الإرث — بل كان يراهن على أن الضوضاء السياسية ستُعوّض عن الهزيمة القانونية. والرهان خسر.
ثالثاً: المغرب والاستحقاق المضاعف
أن تتوّج بلقب أمم أفريقيا مرة، فهذا جهد وموهبة وتخطيط. أن تحمل هذا اللقب في أعقاب عاصفة من الطعون والتشكيك ويبقى التاج فوق رأسك ثابتاً كأنه طُرِّز في نسيج القانون نفسه — هذا شيء مختلف. المغرب في هذه المناسبة لم يفز مرة واحدة: فاز على الملعب، ثم فاز في الغرف المغلقة حين اختار القانون صفّه.
المنتخب الوطني الذي أدهش العالم في مونديال 2022 بلغ قطر دون أن يطلب من أحد أن يُفرش له طريقاً. واليوم، تتويجه الأفريقي جاء بشرعية مزدوجة: شرعية الملعب وشرعية البند 84. وكأن الكرة وكولينا تواطآ في رواية نهايتها معروفة لكل من يحترم نص القانون.
لكن — وهنا يبقى السؤال معلقاً — هل تعلمنا من هذا الدرس؟ هل نفهم أن الدفاع عن الحق يبدأ باستيعاب اللوائح قبل دخول الملعب، لا بعد مغادرته في ظروف مثيرة للجدل؟
رابعاً: الفيفا والكاف أمام اختبار الهيبة
ما جرى لم يكن اختباراً للمغرب أو السنغال وحدهما. كان اختباراً للمؤسستين اللتين تُديران كرة القدم العالمية والقارية. وكولينا بتصريحه هذا لم يدافع فقط عن تتويج المغرب — بل أعاد تأكيد مبدأ جوهري: أن منظومة الحكامة الكروية لا تتفاوض تحت الضغط، ولا تعيد رسم حدودها كلما ارتفع صوت في الشارع أو تراكمت الهاشتاقات على الشبكة.
المؤسسة الكروية التي تتراجع أمام الضوضاء تفقد أهم ما تملكه: الثقة. وكولينا، المخضرم الذي صنع تاريخ الإشارة الصفراء والحمراء في ملاعب العالم، يعرف هذه المعادلة أكثر من أي أحد.
خاتمة: القانون هو البطل الحقيقي
في نهاية المشهد، ليس الفائز الحقيقي المنتخب المغربي وحده، ولا الخاسر الحقيقي المنتخب السنغالي وحده. الفائز الأكبر هو مبدأ القانون حين يُطبَّق بصرامة على الجميع دون استثناء. وهذا — للأسف — لا يحدث دائماً في القارة السمراء التي طالما شهدت ملفاتها أن القانون يُفسَّر بحسب ثقل المفسِّر.
كولينا أغلق باباً كان البعض يأمل أن يظل موارباً. والقانون — هذه المرة — لم يحتَج إلى وسيط.