أوناحي النحلةالتي تبحث عن زهرة جديدة في سماء مانشستر
ليس انتقالاً عادياً، بل هو امتحان للطموح المغربي في أعلى مراتب الاحتراف الأوروبي
هل هي الصدفة وحدها التي تصنع تقاطعات مسيرات الكبار، أم أن ثمة عقلاً خفياً يحرك رقعة الشطرنج الكروية الأوروبية بعيداً عن أعين الملايين؟ في كرة القدم الحديثة، لم يعد الانتقال مجرد حركة لاعب من ملعب إلى آخر، بل هو في جوهره قرار استراتيجي تتشابك فيه خيوط المال والسياسة ومصالح مجموعات الاستثمار العابرة للقارات.
في قلب هذا المشهد المعقد، يطفو اسم عز الدين أوناحي، نجم المنتخب المغربي ومايسترو جيرونا، بوصفه الاسم الأكثر تداولاً في كواليس سوق الانتقالات الصيفية المقبلة. شبكة "فوت ميركاتو" الفرنسية، التي اعتادت أن تكشف ما تخفيه الغرف المغلقة، تؤكد أن إدارة جيرونا فتحت باب الرحيل أمام جوهرتها المغربية، والوجهة ليست سوى ملعب الإتحاد، معقل مانشستر سيتي وصرح الإمارات الكروي في إنجلترا.
"أوناحي ليس مجرد لاعب وسط يحرك الكرة، بل هو الضمير التكتيكي للفريق — ذلك اللاعب الذي تكتشف غيابه قبل أن تُدرك حضوره."
لغة الأرقام: صفقة ذكية أم رهان محسوب؟
عندما يتحدث العالم عن مانشستر سيتي، فهو يتحدث في الحقيقة عن منظومة كروية تعمل بدقة الساعة السويسرية. بيب غوارديولا، المدرب الذي جعل من الكمال التكتيكي ديناً يؤمن به لاعبوه، يواجه تحدياً لا يُستهان به: إعادة بناء خط الوسط في مرحلة ما بعد رحيل برناردو سيلفا المرتقب، والغموض الذي يلفّ مستقبل رودري، ضمير الفريق الذي خطف جائزة الكرة الذهبية وأطال غيابه بالإصابة. في مواجهة هذا الفراغ الخلاق، يرى غوارديولا في أوناحي الجواب الذي طالما بحث عنه.
الشرط الجزائي المُدرج في عقد اللاعب يبلغ 20 مليون يورو — ما يعادل نحو 17 مليون جنيه إسترليني. في لغة البريمير ليغ، هذا الرقم لا يُشتى به سوى احتياطي لفريق هبوط. والأهم من الرقم هو السياق المؤسسي الذي يُيسّر الصفقة: كلا الناديين — مانشستر سيتي وجيرونا — يقعان تحت مظلة مجموعة "سيتي فوتبول جروب"، تلك الإمبراطورية الكروية التي تمتد ذراعاها عبر خمس قارات. ما حدث مع سافينيو في صيف 2024 ليس سابقة معزولة، بل هو نموذج جاهز لتكراره مع الأسد المغربي.
| اللاعب | المركز | المباريات | الأهداف | التمريرات الحاسمة | الشرط الجزائي |
|---|---|---|---|---|---|
| عز الدين أوناحي | وسط ميدان | 19 | 5 | 3 | 20 مليون € |
من رماد مارسيليا إلى نور جيرونا: رحلة لاعب لا يستسلم
من يريد أن يفهم عز الدين أوناحي، عليه أن يقرأ مسيرته كاملة لا مقتطفات منها. فهذا اللاعب البالغ من العمر 26 عاماً لم تُمنح له الأضواء على صينية من ذهب؛ بل اختطفها من بين أنياب الإخفاق بيديه. في مونديال قطر 2022، حمل قميص المنتخب المغربي وصنع المعجزات وسط دهشة العالم. ثم جاءت الامتحانات الحقيقية: تجربة باردة في أولمبيك مارسيليا لم يجد فيها الهواء الكافي للتنفس، وإعارة في اليونان لم تكن سوى استراحة محارب يُعيد فيها ترتيب بوصلته.
غير أن اللاعب الذي لا يكسره الإخفاق هو اللاعب الذي يخشاه المنافسون. وجيرونا كانت ميدان الانبعاث. في ملاعب الدوري الإسباني، اكتشف أوناحي قدراته الحقيقية واكتشفه العالم من جديد. الصحافة الإسبانية، وفي مقدمتها صحيفة "سبورت"، لم تكتفِ بالإشادة باللاعب — بل وصفته بصاحب "أخلاقيات عمل استثنائية وتقنية عالية وضربة كرة قاتلة". تلك المفردات ليست مجاملة صحفية، بل هي شهادة ميدان. هل يحق لنا بعد هذا أن نتساءل: لمن تبقى هذه الموهبة، للإسبان أم للإنجليز، أم أن المنتخب المغربي هو المستفيد الأول في النهاية؟
ما الذي يعنيه الإتحاد لأوناحي؟
ملعب الإتحاد ليس مجرد عنوان جغرافي في مانشستر. إنه في واقع الأمر أعلى منصة يمكن أن يقف عليها لاعب في كرة القدم الأوروبية اليوم. الانتقال إلى مانشستر سيتي سيضع أوناحي في واجهة المنافسة الأوروبية الكبرى — دوري الأبطال، البريمير ليغ، الأرقام والإحصاءات التي يصطادها المراقبون لتوزيع الجوائز في نهاية الموسم. هذا ليس ترفاً، بل هو الرافعة التي يحتاجها أي لاعب مغربي ليعبر من مستوى "اللاعب المميز" إلى مصاف "النجم العالمي".
والأهم من ذلك كله: هذا الانتقال رسالة إلى المنتخب المغربي قبيل كأس العالم 2026 الذي سيُقام على الأراضي المغربية والأمريكية والكندية. أوناحي في حالة احتراف رفيع — مع فريق على مستوى عالمي — سيكون زيادةً في رصيد المنتخب الوطني لا نقصاً منه. وفي الحسابات الكروية، التوقيت كل شيء.
خلاصة: النجم يصنعه الإنجاز، لا الانتقال وحده
كل المؤشرات تشير إلى أن صفقة أوناحي مع مانشستر سيتي تُطبخ على نار هادئة، ولا ينقصها سوى الإعلان الرسمي. لكن لنكن صادقين: الانتقال، مهما كان رنين الاسم الذي يحمله، ليس نهاية المطاف. فالمستطيل الأخضر لا يرحم أصحاب الأسماء، ومانشستر سيتي في عهد غوارديولا مدرسة صارمة تفرز من لا يتكيف بسرعة.
المراهنة على أوناحي مراهنة على لاعب اختُبر في الكبوة قبل أن يُختبر في النجاح. وهذا النوع من اللاعبين — أولئك الذين لا تكسرهم الأزمات بل تصقلهم — هم من يكتبون التاريخ لا من يحفظونه. سماء ملعب الإتحاد قد تُزيَّن قريباً بنجم مغربي جديد؛ ليس نجماً يُضيء بسبب الانتقال، بل نجماً ينتقل لأنه يضيء بالفعل.